أحيائيات

يعتبر المها العربي واحداً من أندر المجترات التي تعيش بصورة دائمة في الصحراء ،وهو قادر على الإستمرار في الحياة دون شرب الماء في الصحراء العربية ،وتحديداً في الربع الخالي الذي يعد واحداً من أكثر المناطق جفافاً في العالم . ولحاجته الضرورية فقد تكيف فسيولوجيا وبيئياً على هذه البيئات :

ومن هذه التكيفات لونه الأبيض الذي يعكس اشعة الشمس المباشرة .كما طور المها عدداً من التكيفات فيما يتعلق بنطاق تحركه ، ومرونة تنوع تغذيته ، وطرق تكاثره ووظائف أعضاءه وسلوكه . يهدف هذا الجزء توضيح أهم السمات التكيفية للمها العربي على البيئات الصحراوية .

الموطن

يعتبر المها العربي حيوان كثير التنقل بحثاً عن المرعى،ويزيد من نطاق تحركه خلال دورة حياته ٍٍ [Tear et al., 1997] وقد سجل له في عمان نطاقات تحرك تزيد عن 2000كم2 [Stanley Price, 1989]

بينما سجل في محمية عروق بني معارض في المملكة العربية السعودية بعد سنتين من إعادة إطلاقه نطاق تحرك ربيعي خلال النهار يزيد على 1700كم2 ، [Strauss, 2002] . ينخفض هذا النطاق في الحركة الى 300كم2 خلال الصيف،حينما يقضي المها معظم وقته مسترخياً في الظلال [Seddon & Ismail, 2002]. وفي محمية عروق بني معارض يتجمع المها خلال الصيف في منطقة صغيرة حيث تتوفر الظلال. بينما يستخدم المها ظلالاً اقل خارج الفصل الحار ويسلك سلوكاً إنتهازياً [Seddon & Ismail, 2002] . وقديقطع مسافات طويلة للوصول إلى المراعي الجيدة [Corp et al., 1998] .

التغذية

القليل من المعلومات توفرت في هذا الموضوع قبل إنقراض المها العربي من البرية في السبعينيات إذ لوحظ إعتماد المها في التغذية على نوعين من النجيليات النصي أو الصمعاء Aristida plumosa والسمط أو صمته Lasiurus hirsutus وعدداً من أنواع الأعشاب كالدهيبه أو الصقل أو العمى Tephrosia apollina والخرشوم أو خيشوم النعجة Tribulus sp. والدهمة Monsonia glauca [Stewart, 1963] وقد اتفق الكتاب في هذا المجال أن المها متنوع التغذية وهو غالباً عشبي .

وقد سجل تير Tear في (1992) في عمان ان المها العربي بعد هطول الأمطار يتغذى حصراً على النجيليات المعمّرة التي تنمو بسرعة بعد الأمطار من جنس النصي أو الثيغام Stipagrostis والتي تحتوي على الماء والبروتينات الأولية والسهلة الهضم والتي تنتهي بعد انقضاء موسم الأمطار [Spalton, 1999].

سجل ستراوس Strauss في (2002) بين عامي 1995م و 1996م قائمة للنباتات الرئيسية التي يعتمد عليها المها العربي في تغذيته والمعاد توطينه لمحمية عروق بني معارض وجاءت لتؤكد الملاحظات الأولية ومتى ما كان متاحاً أمامه يعتمد على النجيليات من أنواع أثيوم Lasiurus scindicus وثيغام Stipagrostis plumosa وقصباء أو هجين Centropodia fragilis والثمام Panicum turgidum . ويفضل الأوراق الغضة للأنواع: السعد Cyperus aucheri [ وسابقاً التندة أو العندب C. conglomeratus . والسعدان Neurada procumbens والعمى Tephrosia purpurea .

إن استراتيجية التغذية عند المها العربي مرنة جداً وتعتمد على حالات الطقس وتوفر النباتات واستخدام المواطن . وعلى سبيل المثال فان المها العربي في محمية عروق بني معارض اعتمد بشكل حصري خلال مواسم الجفاف في عامي 1999م و 2000م على التغذي على الأوراق الغضة لنبات الرمرام Heliotropium digynum المنتشر في الكثبان الرملية خلال الشتاء،بينما تحول في الصيف الى عاشب على النجيل من نوع الثمام Panicum turgidum النامي في الاراضي الحصوية المنبسطة [ بيدن Bedin ،ملاحظات خاصة ] . وكان هذان النوعان هما غالباً الأكثر إتاحة كمصدر للغذاء خلال تلك الفترة .

بينما كان المها العربي يفضل التغذي على أوراق نبات البردي الغضة من نوع Cyperus aucheri بعد هطول امطار جيدة خلال ربيع 2002م. ومع نهاية الصيف تحول المها الى الاعتماد في تغذيته على النجيل من نوعي الثمام Panicum turgidum والأثيوم Lasiurus scindicus مع تفضيل أكثر للنوع الثاني في المناطق التي توجد بها نباتات بردي جافة [ بيدن Bedin ،ملاحظات خاصة]. كما لوحظ تفضيله بشكل كبير لنبات بقلي من نوع العمى Tephrosia purpurea حالما يتوفر .

وكما في العديد من الظلفيات الصحراوية فان المها يضبط اختياراته الغذائية في المصادر المتاحة المحتوية على الماء والبروتينات.ويمكنه العيش في نهاية الصيف دون شرب الماء مباشرة وبتغذية فقيرة بروتينياً .

( أقل من خمسة في المائه من الوزن الجاف ) ومحتوى مائي ( أقل من خمسة وعشرين في المائه من الوزن الجاف ) .

السلوك

يتوفر القليل من المعلومات حول سلوك المها العربي في البرية [Tear & Ables, 1999] .

التنظيم الاجتماعي والسلوك

سجل المها العربي على أنه حيوان متعدد الزوجات polygamous [Stanley Price, 1989] . وهو بالفعل يتكون من قطعان سيادية فيها حيوانات غير بالغة . ويتراوح معدل حجم القطيع في محمية عروق بني معارض بين 2.5 فرد خلال الشتاء و 4.3 فرد خلال الصيف.مع تسجيل أقصى عدد في قطيع واحد في المحمية وصل الى 28 فرداً [ بيدن Bedin ،ملاحظات خاصة] مؤكدة بصورة فوتوغرافية .

وكما في كل الحافريات فان الزعامة تتعرض للانشقاق عندما يحدث الصراع بين الذكور المتنافسة لتلقيح الاناث . أما الاناث فان الصراع يحدث بينها غالباً على الغذاء . ويقوم الذكر السائد في قطيع المها العربي بإدارة كل الإناث في قطيعه وهو مسؤول عن تماسك القطيع بينما تقوم الانثى السائدة بفتح الطريق لحركة القطيع وعليها تقع مسؤولية المبادرة بحمايته عند تعرضه لأي خطر .

لتحركات

يتحرك المها مسافات بعيدة بحثاً عن مواقع هطول الأمطار [Corp et al., 1998] . وبهذه الطريقة تتاح له فرصة الحصول على أفضل مراعي العشب كماً ونوعاً .

النشاط

يقضي المها معظم نشاطه خلال السنة في التغذية [ Petit et al., 1989 ]. بينما يقضي أقل وقت ممكن من النهار في التغذية خلال الصيف في حين يسترخي في الظلال معظم النهار وذلك لتخفيض حجم الماء الفاقد من جسمه بالتبخر [Stanley Price, 1989; Seddon & Ismail, 2002] [Strauss, 2002] .

كما أن المها العربي يقوم بحفر مضجع للراحة تحت الظلال يسمى ( الكِناس ) وهو يتيح وصوله للطبقة الباردة من الرمال .

سجل ازدياد نشاط المها الغذائي خلال الصيف في الشروق وبعد الغروب.وهذا يساعده في حفظ الطاقة والماء وامكانية الحصول على المزيد من الماء من النباتات الندية . ( يقوم العشب الجاف في الصحراء بامتصاص الرطوبة من الهواء البارد خلال الليل نظرا لًلتفاوت الكبير في درجات الحرارة بين الليل والنهار ويؤدي ذلك لإرتفاع الرطوبة ليلاً )

التكاثر

متكاثر انتهازي

يعتبر المها العربي متكاثر انتهازي نظراً لاستجابة التكاثر عنده مع الهطول المتقلب للامطار.وفيما يبدو أن التنوع في درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار والوفرة الغذائية المتاحة تلعب دوراً في بدء موسم التكاثر لدى المها [خيري اسماعيل Ismail ،ملاحظات خاصة ] ،كذلك فان حدوث الولادات على مدار العام لا ينفي وجود قمة في معدلها خلال فصل الشتاء [Strauss, 2002] .

يعتبر المها العربي متكاثر انتهازي نظراً لاستجابة التكاثر عنده مع الهطول المتقلب للامطار.وفيما يبدو أن التنوع في درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار والوفرة الغذائية المتاحة تلعب دوراً في بدء موسم التكاثر لدى المها [خيري اسماعيل Ismail ،ملاحظات خاصة ] ،كذلك فان حدوث الولادات على مدار العام لا ينفي وجود قمة في معدلها خلال فصل الشتاء [Strauss, 2002] .

بينما تكيفت معظم الظلفيات الصحراوية على أنماط مواسم تكاثر محددة [ ارتفاع معدلات الولادات خلال الأشهر الباردة يسمح للإناث الوالدات في استثمار المياه المتاحة في إنتاج الحليب لإرضاع المواليد وتخفيض جهد التنظيم الحراري ]. فإن عدم موسمية تكاثر المها العربي الواضحة والتي لوحظت على قطعان المها العربي المكاثرة في الأسر أو المعاد توطينها في محمية محازة الصيد يعد لغزاً للأحيائيين

عندما أعدنا توطين المها العربي في 1995م في محمية عروق بني معارض -الغير مسيجة والواقعة في الطرف الغربي لصحراء الربع الخالي والتي تعد واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً-كنا نتوقع ظروف بيئية قاسية ستؤثر بشدة في اتجاه معدلات منخفضة لاستراتيجيات التكاثر والتكيف للمها في البرية .

وبالتأكيد للمها وليس للباحثين كان ضرورياً محاولة التأقلم على العوامل المؤثرة في التكاثر .كانت حالة المصادر الطبيعية بين 1995-1998م على غير المتوقع جيدة نظراً لارتفاع معدل هطول الأمطار.ونظراً لذلك سجل مارتن سترواس 2002 Maartin Strauss ارتفاع معدلات التكاثر في قطعان المها العربي.

ولم يستطع الباحثون الحقليون في المحمية ،في ذلك الوقت،أن يضيئوا جوانب مهمة في انتهازية تكاثر المها حيث أدت الظروف البيئية الجيدة الى تكاثره على مدار العام.

ولكن بين عامي 1998-2000م ضرب الجفاف المحمية فانهار تكاثر المجموعات المضطرد .

وظهر أن نوعية المصادر الغذائية وامكانية الوصول اليها أثرت بشكل مباشر على خصوبة المها ودفعته لأنماط تكاثرية مؤقته.كما أن الآليات المتبعة من المها للحد من التكاثر لمواجهة قساوة الظروف المناخية لم تحلل بعد.

وقد إفترضنا أن حالة الجسم وارتباطها بالطاقة الفسيولوجية عاملان محددان للحمل . سمح لنا باختبار هذه الفرضية،التحسن الموضعي لأحد أجزاء المحمية بازدياد معدل هطول الأمطار فيها في ابريل 2002م .

ونظراً لملاحظتنا تحسن الوضع الجسدي للاناث مع حلول شهر مايو 2002م توقعنا- تبعاً لفرضية تحسن المصادر الغذائية -إن أعلى معدل للولادات لا بد أن يقع بعد ثمانية أشهر ونصف (مدة الحمل ) بين شهري فبراير- مارس2003م . ومع حلول 15 فبراير 2003م كان 70% من الإناث المعاد توطينها والخاضعة للمراقبات الحقلية قد حصلت على مواليد .

وفي الوقت الذي قمنا فيه باعداد تقرير بذلك كان ثلاثة أرباع الإناث المعاد توطينها من المها في المحمية قد حصلت على مواليد . فيما يبدو أن هذه النتائج الأولية قد أكدت أن الحالة الجسدية للاناث تلعب دوراً مهماً في خصوبتها وقدرتها على استكمال فترة الحمل .

وعلى كل حال فاننا نحتاج مزيداً من المعلومات لفهم لماذا يسلك المها استراتيجية التكاثر الانتهازي بينما أنواع أخرى من الظلفيات الواقعة تحت نفس الظروف البيئية والاتاحة الغذائية تتكاثر موسمياً،إذ تتكاثر غزلان الريم من نوع Gazella subgutturosa marica خلال الأشهر الباردة .

النشاط الجنسي للإناث

تصل الإناث المكاثرات في الأسر في ( المركز ) الى سن النضج الجنسي بين 13-18 شهراً تبعاً لتواجد ذكور في الحظيرة تستحث بلوغها المبكر [Blanvillain et al., 1997] ويصل معدل طول الدورة الشهرية للاناث لحوالي 24 يوماً [Sempéré et al., 1996] وتعطي الاناث مولوداً واحداً بعد معدل فترة حمل تصل لحوالي 260 يوماً [Vié, 1996] بينما تبلغ معدل طول الفترة بين الحمل والذي يليه 295 يوماً [Vié, 1996] مما يعني أن معظم حالات الحمل تحدث خلال أول دورة شهرية بعد الولادة.وقد سجلت نتائج مشابهة على إناث المها البرية [Strauss, 2002] .

النشاط الجنسي للذكور

تصل الذكور لسن النضج الجنسي بين 7-12 شهراً [Ancrenaz et al., 1998] إذ تظهر لديهم دورة هرمون الذكورة التستوستيرون والتي من المحتمل أنها تتطابق في البرية مع الدورة الشهرية للاناث.وربما كانت هذه السمة نوعاً من التكيف لتخفيض الطاقة الفاقدة في الاتصال الجنسي عندما تكون الاناث غير مهيآت للحمل .

الفسيولوجيا : الطاقة واحتياجات الماء

يعتبر المها العربي رمزاً للظلفيات الصحراوية، نظراً لقدرته على حفظ الماء وتخفيض الطاقة الفاقده [Williams et al., 2001; Ostrowski et al., 2002].

التدفق المائي

يعتبر المها العربي – من بين الظلفيات الصحراوية – الأقل في معدل الإنقلاب المائي في الجسم وهو يعادل حوالي أربعة أضعاف القدرة الاسطورية للجمل في تحمل العطش [Ostrowski et al., 2002]. ولدى المها العربي مقدرة أكيدة على العيش في بيئات لا يتوفر فيها مصادر الماء نهائياً . ويعزز هذه القدرة إمكانية استخلاصه الماء من الغذاء الصحراوي بنسبة (86% ) ومن عمليات الايض الداخلية بنسبة 14% من إحتياجياته المائية [Ostrowski et al., 2002] .

مصادر الطاق

علاوة على ذلك فإن للمها العربي مقدرة – تتعدى ما سجل لدى الثدييات – في خفض صرف الطاقة لأدنى مستوياته . إذ تنخفض طاقته الفاقدة خلال الربيع بمعدل 22000كج/يوم و 11000كج/يوم خلال الصيف [Williams et al., 2001] .

إن تسجيل هذا التباين الكبير في معدل فقد الطاقة الغير مسبوق في الثدييات يرجع إلى قدرات هائلة فسيولوجية وسلوكية في المها العربي .